الشريف الجرجاني

29

الحاشية على الكشاف

( قوله لم قدرت المحذوف متأخرا ) هذا السؤال لا يختص بتسمية القارئ بل يتناول تسمية القارئ والمسافر والذابح ، وكل فاعل جعلت التسمية مبدأ لفعله فإنه قد صرح بتأخير المقدر في كلام المسافر ، وأشار إلى ذلك في كلام لغيره ( قوله لأن الأهم من الفعل والمتعلق به ) من هذه تبعيضية والمعطوف في حكم الانسحاب : أي الذي هو أهم من صاحبه من هذين ، فاللام في الأهم قائمة مقام من التفضيلية ( قوله لأنهم كانوا يبدؤون ) بيان لوجه الاهتمام إذ لا يكفي أن يقال قدم للاهتمام ، بل لابد أن يبين ما يقتضى الاهتمام بذكره والاعتناء بشأنه كما نص عليه الشيخ عبد القاهر رحمه الله تعالى : أي كان الشمركون يبدؤون في أفعالهم بأسماء آلهتهم ، فيقولون عند الشروع باسم اللات وباسم العزى ، وكان التقديم منهم لمجرد الاهتمام الناشئ من قصد التبرك والتعظيم لا للاختصاص ، إذ لم يكونوا ينفون التبرك به تعالى ، بل كانوا يتبركون به أيضا ، فوجب على الموحد أن يقصد بعبارته قطع شركة الأصنام كي لا يتوهم منه تجويز الابتداء باسمها فيكون قصر إفراد ( قوله معنى اختصاص اسم الله تعالى ) أقحم لفظ معنى واضافه إلى الاختصاص مبالغة في بيان المقصود : أي أن يقصد الموحد معنى هو اختصاص اسم الله تعالى ، وأيضا كأنه تنصيص على أن المقصود الدلالة على الاختصاص لا على فعل الاختصاص بأن يبتدأ به لا بغيره . فإن قلت : قوله اختصاص اسم الله بالابتداء يدل على أن المقدر أبتدئ ، وأن يكون معنى قوله وذلك بتقديمه وتأخيره الفعل أن اختصاص اسم الله يحصل بتقديمه وتأخير الفعل الذي هو أبتدئ ، لأن اختصاص اسمه بالابتداء إنما يحصل بذلك لا بتقديم اسم الله تعالى وتأخير الفعل الذي هو أقرأ ، إذ به يحصل اختصاص اسمه بالقراءة لا بالابتداء ، فحينئذ لا يكون جوابه مطابقا لسؤاله لأنه سأل عن سبب تقير أقرأ متأخرا . وأجاب بما لا يقتضى إلا تقدير أبتدئ متأخرا . قلت : أراد بالابتداء الفعل الذي يبتدأ به ويشرع فيه كالقراءة ونحوها لا مفهومه الحقيقي ، ولذلك قال وتأخير الفعل ، ولم يقل تأخير الابتداء وبهذا القدر يتسق نظم الكلام . فإن المشرك لما كان يبتدئ في أفعاله المخصوصة باسم آلهته وجب على الموحد أن يبتدئ في أفعاله المخصوصة باسم الله تعالى ، ويدل أيضا على اختصاص اسم الله بتلك الأفعال ردا على المشرك وإظهار للتوحيد ، فيتطابق الجواب والسؤال . والباء في قوله بالابتداء داخلة على المقصور لا على المقصور عليه ، وتوضيحه أن الاختصاص وكذا التخصيص والخصوص يقتضى بحسب مفهومه الأصلي أن تدخل الباء على المقصور عليه فيه فيقال : اختص الجود بزيد : أي صار مقصورا على زيد لا يتجاوزه إلى غيره . ومنه قوله وأما الله بحذف الهمزة فمختص بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره . وقوله بعد الدلالة على اختصاص الحمدية : أي بالله ، وهذا عربي إلا أن الأكثر في الاستعمال إدخال الباء على المقصور ، وذلك لأن تخصيص شئ بآخر في قوة تمييز الآخر به ، واستعمل فيه مجازا مشهورا ، فمعنى اختصاص اسم بفعل يميزه من الأسماء وإفراده عنها بذلك ، وهو حاصل معنى قصر ذلك الفعل عليه ، وقس عليه قوله واختص بواو : أي ميز المندوب عن المنادى